في ذكرى رحيله الاولى.. يوسف شاهين لا يزال معنا

المقاله تحت باب  سينما و مسرح
في 
29/07/2009 06:00 AM
GMT



 ابتسام عبد الله
مرّ عام على رحيل يوسف شاهين الصديق والمخرج الذي نقل الفيلم المصري الى العالمية،ليصبح واحداً من كبار المخرجين العالميين. لم تكن وفاة شاهين صدفة، بل خبراً كان محبوه يتوقعونه بعد الأزمات القلبية التي تعرض لها منذ تسعينيات القرن الماضي وكانت آخرها الازمة الصحية التي مرّ بها في آذار عام 2008 ونقل أثرها الى المستشفى . وبعد خروجه منها كان فقد جزءاً كبيراً من حيويته وتوازنه مع الحياة وصحته بشكل عام.بل انه قبل ذلك بعام،بدا لي مختلفاً عما كان عليه من نشاط، يردد دائما، أنا الاكثر شباباً من الجميع    

وله الحق في ذلك،فهو الاكثر نشاطاً وعملاً وحركة متواصلة لكنني عندما زرته في مكتبه صيف عام 2007،لم اجده كما اتوقع:المرض غلبه أخيراً وبشكل مؤثر. ومع توصية الاطباء له بالراحة،جاء مرات إلى المكتب لرؤيتي. كان صورة باهتة لجو،عينان خابيتان،ضباب باهت يظللهما،(كيف حالك كويس)..كيف ترينني،لم أقل له الحقيقة لكنه عندما اشعل سيكارة،قلت،الا تبطل التدخين؟
واجاب كما في كل مرة، قبل عام وقبل اعوام،وماذا بقي لي من الدنيا،لقد تجاوزت الثمانين،فكم سنة سأعيش.
من الذاكرة
يوسف شاهين من المثقفين السينمائيين البارزين،يجيد خمس لغات،ويتابع الصحف وشغوف بالقراءة.وعندما حدثته عام 2006 عن كتاب في انتظار البرابرة (لكوتزي)،وكتاب (ادوارد سعيد) (المكان الآخر) لم يكن قرأهما،وطلب من المكتب شراءهما وفي ذلك اقترحت عليه تحويل احد الكتابين الى فيلم خاصة حياة ادوارد سعيد،الذي كان يعرفه واظهره في مقدمة فيلمه (اسكندرية نيويورك). أبدى اعجابه بالفكرة وتحمس لها،خاصة ان الكاتب الفلسطيني الكبير كان قد عاش اعواماً في مصر ودرس في نفس (كلية فيكتوريا)،مع يوسف وعمر الشريف.وقد راودت يوسف شاهين العديد من الافكار لمشاريع افلام لم ينفذها قط.ففي السبعينيات وعندما مرّت منظمة الاوبك بازمة إثر هجوم نفذه كارلوس عليها،حدثنا (كانت تربطنا به صداقة عائلية وطيدة)،طوال أمسية عشاء فكرة تجول في باله لتنفيذ فيلم عن النفط وكيف يستغل من قبل الدول الكبرى الغنية وكيف ان الدول العربية ستظل ضمن مطامحها ما دام النفط ثروة يمكن الاستفادة منها.
قال انه في هذا الفيلم سيعود الى الكوميديا (له في هذا المجال، المهرج الكبير 1952 وانت حبيبي 1957 ،وانه باليوم والساعة،ومكان التصوير.وفي تلك الغرفة تعقد الاجتماعات الخاصة،بالعمل خاصة بين يوسف وغابي خوري وخالد يوسف وماريان خوري. وفي العمارة 35 ،شقق اخرى تخص الشركة العالمية،مخصصة للانتاج او المونتاج والعرض الخاص،مع شقة خاصة لشاهين.
وأخيراً،كان يوسف شاهين يحب العراق ويعلن تضامنه معه باستمرار،وكان ينبغي تقديم فيلم عن الاحتلال الامريكي،وقدم لي سيناريو فيلم كان سيخرجه خالد يوسف،لتبيان رأيي..
وعندما ناقشت أحداث السيناريو مع خالد يوسف،ووصل(جو) الى رفض الموضوع والبحث عن سيناريو آخر افضل ويتلاءم مع الاوضاع الجديدة في العراق.
كان يحب العراق ومثله خالد يوسف وقد اعربا لي صادقين مراراً عن استعدادهما لزيارته،لكن المرض اقعده ونال منه.
وقد عرض لي يوسف شاهين ذلك الجزء الخاص به في مكتبه ويتحدث فيه عن مخرج سيعرض له فيلم في مهرجان نيويورك،وتتأجل تلك الرحلة بسبب انفجار البرجين التوأمين.ويبدأ المخرج في تحليل الحادث،عائداً بالذاكرة الى احداث سياسية في المنطقة العربية:اجتياح لبنان،مأساة فلسطين،والسياسة الامريكية حيال الدول العربية،وفي نهاية الفيلم مشهد مؤثر لمقابر هنا وهناك ضمت اجساد من ذهب ضحية سياسة العنف والحرب.
ويقع مكتب يوسف شاهين في عمارة 35 شارع شاميليون ـ وسط القاهرة،وبالقرب من نقابة الصحفيين المصريين،وكنت ازوره هناك مرات في كل زيارة لي لمصر. المكتب بلون ابيض، وعلى جدران الممرات ملصقات لافلامه الشهيرة وفي غرفة العمل،ملصق كبير له،حاملاً جائزة مهرجان كان.وفي خلال تصوير فيلم ما من افلامه،يجد المرء جدولاً كبيراً في الغرفة يتضمن مواعيد التصوير وليوسف شاهين اضافة الى افلامه السينمائية عدد من الافلام الوثائقية القصيرة،رأيت منها فيلمه،(القاهرة منورة بأهلها)،يتحدث فيها عن الحياة اليومية لأهل القاهرة،اوائل التسعينيات ومشاعرهم إزاء الهجوم على العراق،ومظاهرات طلبة جامعة القاهرة.وظهر في الفيلم للمرة الاولى خالد يوسف،ويؤدي فيه دوره الحقيقي،(قائداً للمظاهرات)،إذ تخرج تواً من كلية الهندسةـ جامعة القاهرة ـ وكان فيها رئيساً لاتحاد طلبة الجامعات.
ومن ذلك الفيلم،توطدت العلاقة الوثيقة بين الاثنين:علاقة صداقة وتفاهم مشترك،او كما يقول خالد،أنه ابي الثاني.
ومن افلام يوسف الاخرى التي لم تعرض على الجمهور العربي،إخراجه لجزء من عشرة اجزاء لفيلم بعنوان،(9/11 يوم العنف والارهاب في نيويورك).ويقدم الفيلم رؤية فنية خاصة لذلك الحدث،من قبل عشرة من كبار المخرجين العالميين،وكل فيلم منفصل عن غيره ـ ويمتد 15 دقيقة فقط. وبالتأكيد لم افكر في مشروعه،وهو بعد عودته،تلاشت شهرزاد من باله،واتجه الى كتابة(المصير)،اثر حوادث اغتيالات جرت في القاهرة. وافلامه أثيرة عليه، يتفرج عليها عند عرضها في التلفزيون.وقال لي يوماً هل تصدقين شاهدت (صلاح الدين الايوبي)،ودهشت لبعض المشاهد،حركة المجاميع،اللقطات الليلية،اعتقد اني غير قادر الآن على تنفيذها.
ويقول شاهين ان كل فيلم تجربة جديدة بالنسبة له،وهو يقوم بالتحليل الكامل لفترة زمنية معينة وما فيها من احداث سياسية اجتماعية،وعندما يتحدث عن سيرته،فهو يعني بالتأكيد تحليل مرحلة زمنية ضمن رؤية خاصة به،وتلك العملية،أي مرحلة التفكير والاعداد ثم الكتابة لفيلم جديد،ليست سهلة،فهو كما يقول،يتعذب في الغوص الى اعماقه وتعرية ذاته.
الاسلوب الافضل في طرح الفكرة.
وفي مرة لاحقة،اوائل الثمانينيات،جاء الى بغداد وما ان التقيت به حتى فاجأني،هل توافقين على التمثيل،ضحكت معتبرة كلامه مزحة،لكنه اضاف،(دورهايل) ,اخذ يحكي قصة الفيلم وبطلتها شهرزاد،يبدأ بشهرزاد تطوف حول سور بغداد،وقد تقدم بها السّن،قذرة،رثة الثياب،تتسول من الغادين والرائحين لقمة العيش،قائلة لهم،دون ان يصدقها أحد،أنا شهرزاد.
تجلس شهرزاد في مكانها،تتذكر ماضيها وتستعيد ما مرّ بها،وكيف طردت من القصر بعد قتل الملك الظالم،شهريار،إثر ثورة شعبية.ويحلل الفيلم شخصية شهريار،وكيف تمكنت شهرزاد منه بعقلها ورجاحة فكرها،ثم التفت اليّ ضاحكاً، انتبهي ان السينما تضيف بضعة كيلوات الى الصورة عادة سأعود إلى مصر وأكتب لك التفاصيل. أخرج يوسف شاهين 36 فيلماً،وفاز بجائزة الدب الفضي لمهرجان برلين عن اسكندرية ليه عام 1979 وجائزة لجنة مهرجان كان عام 1979 عن مجمل اعماله،وفاز بجائزة مهرجان قرطاج عن فيلمه الاختيار:وجائزة مهرجان اميان الدولي عن (المصير)وجائزة اليونسكو عن فيلم 9/11 عام 2003 ،في مهرجان البندقية. اخرج مسرحية كاليجولا في باريس بدعوة خاصة من مسرح الكوميدي فرانسيز عام 1992 ،وحقق نجاحاً ساحقا. كان شاهين شديداً جداً في العمل وقد حضرت تصوير مشاهد عدة من فيلمه اسكندرية كمان،ووجدته يعيد التصوير لمشاهد قصيرة جداً،اكثر من خمسين مرة.